قصة نوح عليه السلام (١) ؛
نوح عليه السلام أول رسول أرسله الله بالرسالة الإلهية إلى قومه . عندما تحولوا إلى عبادة الأصنام وأمعنوا في الضلالة والكفر .
وقد ذكر القرآن أسماء الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح بما جاء على لسان أشرافهم :{ وقالوا : لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا شواعا . ولا يغوث ويعوق ونسرا. وقد أضلوا كثيرة ...} [ نوح .٢٣،٢٤].
عبادة الأصنام و الألهة :
كما كان لقوم نوح آلهة أخرى كما أشارت الآية : {ولا تذرن آلهتكم} قيل :
هي الكواكب السيارة ، وبما أن هذه الكواكب تظهر ليلا وتغيب نهارة لذا اتخذوا الأصنام واسطة لتقربهم إلى آلهتهم .
وقد لبث نوح في قومه زمنا طويلا يدعوهم إلى عبادة الله ، قال تعالى :
{ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما }[ العنكبوت : 16 ] .
ولكن هذه المدة لم تؤت ثمارها فيهم ، فلم يؤمن برسالته من عند الله إلا القليل منهم .
و كان الوالد إذا بلغ ولده سن الرشد يوصيه أن لا يتبع نوحا أبدا ما عاش ، لذا توارثوا الإصرار على الشرك بالله ، وأمعنوا في العصيان .
الدعوة إلى الله :
قال نوح لقومه : اني محذركم من عذاب الله ومين لكم طريق النجاة فاعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا لأني أخاف عليكم إن عبدتم الله أو أشركتم معه سواه في العبادة أن يعذبكم يوم القيامة عذابا شديدا . قال تعالی :
{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم تير مبين . أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف علیکم عذاب يوم أليم } [ هود : ۲۵ ، ۲۶ ] .
كما قال لهم نوح : إنكم إن أطعتم الله واجتنبتم السيئات يغفر لکم ما تقدم من ذنوبكم ويمهلكم ويمتعكم في هذه الدنيا إلى الأمد الأقصى الذي قدره الله لانتهاء آجالكم ، ولكن إن عصيتم ربکم فإنه لن يمهلكم بل سيعجل لكم العذاب وسیأتیکم بغتة من حيث لا تشعرون . قال تعالى :
{وقال يا قوم إني لكم نذير مبين ، أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون . يغفر لكم من ذنوبکم و يؤخركم إلى أجل مسمی إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } [نوح ؛ ٢ . ٤ ] .
استعلاء الكفار :
لكن قوم نوح لم يستجيبوا لنصيحته ، ولم يأبهوا الإنذار الله ، لهم ، وأنكروا عليه أن يكون نبيا لعدة أسباب :
منها : إنه إنسان مثلهم يأكل و يشرب ، فكيف يكون نبيا من كان بشرا مثلهم فالنبي - في نظرهم - يجب أن يكون ملكا لا بشرا .
ومنها : إن الذين اتبعوه هم المستضعفون ، ويقصدون بذلك الفقراء من العمال
والمزارعين وأصحاب المهن الوضيعة ، وهؤلاء - في نظرهم - قد اتبعوا نوحا دون روية و لا تفكير ، وهم ليسوا من ذوي الفضل .
ومنها : اتهام نوح ومن آمن معه بالكذب ، ولم يكونوا متأكدين من اتهامهم هذا بل كانوا يبنونه على الظن ...
قال تعالى :
{ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشر مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي و ما لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين } [هود : ٢٧].
ويصور القرآن في أية أخرى استعلاء قوم نوح ورفضهم الاستجابة لدعوة نبيهم ووصفهم له بالضلال ، كما يصور نوحا الصابر الملاطف الذي يحاول انتزاع هذا الوهم من عقولهم فيقول لهم : يا قوم لیس بي ضلالة كما تزعمون ، و لكني رسول من رب العالمين أبلغكم ما أرسلني به من الوصايا والأحكام التي تصلح بها أمور كم ، وإني ناصح لكم بما فيه سعادتكم ومحذکم مما فيه شقاؤكم وقد علمني الله ما لا تعلمون .
ثم بين لهم نوح أنه ليس عجيبا أن يجيئهم و عظ و إرشاد على لسان رجل منهم يحذرهم عذاب الله ويدعوهم إلى رحمته ورضوانه . قال تعالى :
{وقال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين . قال : يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين . أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون . أوجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذر گم ولتتقوا ولعلكم ترحمون [ الأعراف : ۹۳۰۲۰ ].
نوح يتابع دعوته :
استمر نوح في دعوته محاولا إقناع قومه ، وأخذ يحاورهم ويجادلهم فقال لهم : ما رأيكم في حالي معكم إن كنت على حجة ظاهرة من ربي وأعطاني النبوة والرسالة الإلهية برحمته وفضله ، وقد حجبكم عن الاهتداء إليها جهلكم وغروركم بأموالكم وجاهكم ، فهل يصح أن أكرهكم على اعتناقها وأنتم لها كارهون ؟ وأنا لا أطلب منكم على هدايتي لكم مالا ولا جاها وإنما أجري على الله .
ویدو أن خطاب نوح لقومه أثر فيهم ولكنهم وجدوا أن أتباعه من الفقراء والضعفاء ويفصل بين هؤلاء وأولئك فوارق ضخمة مالية واجتماعية فاشترطوا عليه كي يؤمنوا به أن يبعدهم عنه ويطردهم من الدعوة .
فأجابهم نوح : لست بطارد أحدا من الذين آمنوا استجابة لطلبكم وبسبب احتقار كم إياهم ، فهم مقربون عند الله وسيلاقون ربهم يوم القيامة فيتولى حسابهم وجزاءهم ، أما أنتم فإني أراكم قوما تجهلون ما يتميز به البشر عند الله .
ويا قومي لا يستطيع أحد أن پنصرني ويمنع عني عقاب الله إن طردتهم بعد إيمانهم ، أفلا تتذكرون بأن لهم ربا ينصرهم ؟!
ثم إني لا أقول لكم : إن عندي خزائن الله أتصرف بها كما أشاء ، ولا أقول : إني أعلم الغيب ، ولا أقول : إني ملك من الملائكة حتى تتبعوني ، فما أنا إلا بشر . ولا أقول للذين تحتقرهم أعينكم : إن الله لن يؤتيهم خيرا إرضاء لرغباتكم لأن الله وحده يعلم ما في أنفسهم من إخلاص . إني إن فعلت ما ترغبونه أكن من زمرة الظالمين .
{ وقال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وأتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون . ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا
على الله ،وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون . ويا قوم من ينصرني من الله ، إن طردتهم أفلا تذكرون . ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول : إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم : لن يؤتيهم الله خيرا ، الله أعلم بما في أنفسهم إني إذن لمن الظالمين} [ هود : ۲۸ - ۳۱ ] .


